الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
102
مختصر الامثل
ذلك الفزع والاضطراب عن القلوب بصدور الأمر الإلهي : « حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ » . هنا وحينما يتواجه الفريقان ويتساءلان ، ( أو أنّ المذنبين يسألون الشافعين ) : « قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ » . فيجيبونهم : « قَالُوا الْحَقَّ » . وما الحق إلّاجواز الشفاعة لمن لم يقطعوا ارتباطهم تماماً مع اللَّه . وتضيف الآية في الختام : « وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ » . وهذه العبارة متمّمة لما قاله « الشفعاء » ، حيث يقولون : لأنّ اللَّه عليّ وكبير فأي أمر يصدره هو عين الحق ، وكل حق ينطبق مع أوامره . في الآية التالية يلج القرآن الكريم طريقاً آخر لإبطال عقائد المشركين ، ويجعل مسألة « الرازقية » عنواناً بعد طرحه لمسألة « الخالقية » التي مرّت معنا في الآيات السابقة . يقول تعالى : « قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . بديهي أن لا أحد منهم يستطيع القول بأنّ هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي التي تنزل المطر من السماء ، أو تنبت النباتات في الأرض . الجميل أنّه - بدون انتظار الجواب منهم - يردف تعالى قائلًا : « قُلِ اللَّهُ » . آخر الآية تشير إلى موضوع يمكنه أن يكون أساساً لدليل واقعي ومتوائم مع غاية الأدب والإنصاف ، بطريقة تستنزل الطرف المقابل من مركب الغرور والعناد الذي يمتطيه ، وتدفعه إلى التفكر والتأمل . يقول تعالى : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَللٍ مُّبِينٍ » . وهذا إشارة إلى : أنّ عقيدتنا وعقيدتكم متضادّتان ، وعليه - بناءً على استحالة الجمع بين النقيضين - فلا يمكن أن تكون الدعوتان على حقّ . وتستمر الآية التي بعدها بالاستدلال بشكل آخر - ولكن بنفس النمط المنصف الذي يستنزل الخصم من مركب العناد والغرور . يقول تعالى : « قُل لَّاتُسَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . وهنا أنّ الرسول صلى الله عليه وآله مأمور باستعمال تعبير « جرم » فيما يخصّه ، وتعبير « أعمال » فيما يخصّ الطرف الآخر ، وبذا تتّضح أنّ كل شخص مسؤول أن يعطي تفسيراً لأعماله وأفعاله ، لأنّ نتائج أعمال أي إنسان تعود عليه ، حسنها وقبيحها . الآية التالية توضيح لنتيجة الآيتين السابقتين ، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحق والآخر على الباطل ، وإلى أنّ كلّاً منهما مسؤول عن أعماله ، انتقل إلى توضيح كيفية